السيد علي عاشور

111

موسوعة أهل البيت ( ع )

إلى مسألتك لم أقدم عليك بالمسائل ، فلقد دخلت الكوفة والبصرة والشام والجزيرة ولقيت المتكلمين فلم أقع على أحد يثبت لي واحدا ليس غيره قائما بوحدانيته ، أفتأذن لي أن أسألك ؟ قال الرضا عليه السّلام : إن كان في الجماعة عمران الصابئ فأنت هو . قال : أنا هو . قال : سل يا عمران وعليك بالنصفة ، وإياك والخطل والجور . قال : والله يا سيدي ما أريد إلا أن تثبت لي شيئا أتعلق به فلا أجوزه . قال : سل عما بدالك ، فازدحم الناس وانضم بعضهم إلى بعض ، فقال عمران الصابئ : أخبرني عن الكائن الأول وعما خلق . قال : سألت فافهم ، أما الواحد فلم يزل واحدا كائنا لا شيء معه بلا حدود ولا أعراض ، ولا يزال كذلك ، ثم خلق خلقا مبتدعا مختلفا بأعراض وحدود مختلفة ، لا في شيء أقامه ، ولا في شيء حده ، ولا على شيء حذاه ومثله له ، فجعل الخلق من بعد ذلك صفوة وغير صفوة ، واختلافا وائتلافا ، وألوانا وذوقا وطعما ، لا لحاجة كانت منه إلى ذلك ، ولا لفضل منزلة لا يبلغها إلا به ، ولا رأى لنفسه فيما خلق زيادة ولا نقصانا ، تعقل هذا يا عمران ؟ قال : نعم والله يا سيدي . قال : واعلم يا عمران إنه لو كان خلق ما خلق لحاجة لم يخلق إلا من يستعين به على حاجته ، ولكان ينبغي أن يخلق أضعاف ما خلق ، لأن الأعوان كلما كثروا كان صاحبهم أقوى ، والحاجة يا عمران لا يسعها لأنه لم يحدث من الخلق شيئا إلا حدثت فيه حاجة أخرى ، ولذلك أقول : لم يخلق الخلق لحاجة ، ولكن نقل بالخلق الحوائج بعضهم إلى بعض ، وفضل بعضهم على بعض بلا حاجة منه إلى من فضل ، ولا نقمة منه على من أذل فهلذا خلق . قال عمران : يا سيدي هل كان الكائن معلوما في نفسه عند نفسه ؟ « 1 »

--> ( 1 ) قال العلامة المجلسي : قوله : ( هل كان الكائن معلوما في نفسه عند نفسه ) أقول : هذا الكلام وجوابه في غاية الاغلاق وقد خطر بالبال في حله وجوه لا يخلو كل منها من شيء : الأول : أن يكون المراد بالكائن الصانع تعالى ، والمعنى ان الصانع تعالى هل كان معلوما في نفسه عند نفسه قبل وجوده ؟ فأجاب عليه السّلام بأن المعلمة قبل الشيء إنما يكون لشيء يوجده غيره فيصوره في نفسه حتى يدفع عنه ما ينافي وجوده وكماله ثم يوجده على ما تصوره والواجب الوجود بذاته ذاته مقتض لوجوده ، ولا مانع لوجوده حتى يحتاج إلى ذلك ، فلذلك هو أزلي غير معلول . الثاني : أن يكون المراد بالكائن الصانع أيضا ، ويكون المعنى : هل هو معلوم عند نفسه بصورة حاصلة في ذاته ؟ ولذا قال : في نفسه ، فأجاب عليه السّلام بان الصورة الحاصلة انما تكون لشيء يشترك مع غيره في شيء من الذاتيات ، ويخالفه في غيرها فيحتاج إلى الصورة الحاصلة لتعينه وتشخصه وامتيازه عما يشاركه ، -